سمير أمين.. استاذنا.. في ذكرى ثمان سنوات على رحيله


قليلون جداً ربما اولئك الذين اطلعوا على كتاب «العراق وسوريا – 1960/1980» للمفكر والاقتصادي المصري الكبير سمير امين . الا انه كان اول من كشف ان مسيرة الدكتاتوريات الرجعية البعثية الحاكمة بين 1963 و2003 في العراق وبين 1963 و2025 في سوريا كانت تقود البلدين الكبيرين الى مزيد من الفشل المؤسساتي والتحطيم والسقوط الحتمي في التبعية للهيمنة الاجنبية وهو ما عززته الدولة اللادولة التي قامت الى الآن فيهما.

اكتمل تأليف هذا الكتاب قبل بدء الحرب العراقية- الايرانية بقليل ونشرته بالفرنسية دار “منوي” قبل نحو نصف قرن، وتعرض الى ما يشبه النسيان حتى في فرنسا برغم، وربما بسبب، ان الكتاب دراسة اقتصادية علمية محضة، وان المؤلف احتل مكانة رفيعة في ميدان الفكر الاقتصادي العالمي المعاصر. فهو صاحب نظرية “رأسمالية المحيط”(Capitalisme périphérique) التي تعتبر، حتى في الاوساط الرافضة لها، اهم نظرية في تفسير الطبيعة المشوهة للتطور الاقتصادي في بلدان العالم الثالث في القرن العشرين لا سيما تلك البلدان الغنية بالطاقات البشرية والثروات الطبيعية والمكانة الاستراتيجية والتاريخ اللامع وبكل ما من شأنه تحقيق تطور اقتصادي متين وشامل ومستديم في النصف الثاني من القرن العشرين كالعراق وسوريا.
ان جوهر التفسير الذي تقترحه تلك النظرية ونتبناه هو، بكلمة، ان المشروع البعثي للتطور الاقتصادي لم يؤد في واقع الحال سوى الى ربط البلد اكثر فاكثر بدول المركز الرأسمالي الغربي في علاقة تبعية محضة تنسجم كل الانسجام مع الآلية الرأسمالية العالمية والتوزيع الدولي للعمل والثروات والادوار. بمعنى اخر ان هذا التفسير يقف ضد ويفنّد، النظرية المعروفة باسم “التطور اللارأسمالي” التي فبركها الموظفون الايديولوجيون الكسالى التابعون للحزب الشيوعي السوفييتي وتبناها الاخير رسمياً منذ مؤتمره العشرين (في 1956) ليبرر عبرها تحالفاته مع اكثر الانظمة دموية وفساداً وتبعية في العالم الثالث كنظام البعث العراقي. واذا كانت نظرية “التطور اللارأسمالي” قد سقطت الآن مع سقوط واضعيها، وسمير امين من القلة الاوائل الذين بشروا بحتمية كلا السقوطين، فان الكثير من نتائجها لا تزال تلحق الكوارث والآلام بشعوب العالم الثالث والشعبين العراقي والسوري في مقدمتها.
وكما هو جلي بنظرنا، فان المنظور اعلاه هو بمثابة تطبيق لنظرية “رأسمالية المركز والمحيط” المذكورة، من حيث ان سمير امين يتخذ من تجربة العراق وسوريا في ظل السياسة العملية لنظامي البعث الحاكمين فيهما، نماذج ملموسة لاثبات نظريته التي سبق له طرح مضمونها ومقوماتها بشكل مفصل وشامل في عدد من المؤلفات ذات الاهمية الكبرى في الفكر الاقتصادي العالمي الراهن ككتاب «التطور اللامتكافئ» و«قانون القيمة والمادية التاريخية» و«التراكم على الصعيد العالمي» و«نقد نظرية التخلف» و«التبادل اللامتكافئ وقانون القيمة» وغيرها. وبعض هذه الكتب جرت ترجمته الى العديد من اللغات بما فيها اللغة العربية في اوقات مختلفة.
واذا اقتصرنا على منظور سمير امين حول المشروع البعثي للتطور، فاننا نجده مبثوثاً في عدد من النصوص الصادرة بعد 1980 لاسيما كتابه “العراق وسوريا” ونصوص اخرى دأب على نشرها في السنوات الأخيرة من حياته. ولنلاحظ منذ الآن ان الكاتب رغم منهجيته الماركسية الصريحة، يتجنب، في كافة مؤلفاته في الواقع، الركون للاغراء الايديولوجي وما يتمخض عنه من تقييمات مسبقة؛ انما، وبلغة الباحث الاقتصادي الموضوعي، يحاول استقراء الاحداث وتحليل المعطيات الاقتصادية الفعلية. فمصادره الوحيدة، الى حد كبير، هي الاحصائيات والوثائق الرسمية ذاتها والنتائج هي وحدها من يتعرض للتقييم والمحاكمة وليس الاشخاص او المسؤولين الأمر الذي يضفي على الاستنتاجات قوة علمية صارمة، ومن هنا يأتي رصيدها والاعتراف العالمي بأهميتها.
خلاصة القول، يقوم منظور سمير امين حول “المشروع البعثي للتطور” على دراسة التطور الاقتصادي – السياسي لمنطقة الهلال الخصيب (العراق وسوريا حصراً) خلال القرن العشرين مع التركيز على الفترة ما بين 1963 و1980. فهذه الفترة، حيث يتموضع تطبيق المشروع البعثي زمنياً، تتسم بعدة خصائص تجعل منها موضوعاً نموذجياً في الدراسة. فهي تتميز بالاستقرار السياسي النسبي الداخلي واستمراريته تحت قيادة حزب البعث في كل من البلدين وبالازدهار المالي (لاسيما بالنسبة للعراق الذي ازدادت وارداته النفطية بشكل كبير جداً خلالها) وبحصول النظامين على دعم كبير من المعسكرين الدوليين الامريكي والسوفييتي في ذات الوقت على الصعيدين المادي والمعنوي.
وهذه العوامل، متظافرة، وفرت فرصة استثنائية لوضع المشروع البعثي للتطور موضع التطبيق العملي بعد ان كان مجرد وعد وشعار. وبالتالي اصبح من الممكن الحكم عليه موضوعياً، وعلى ضوء النتائج الملموسة، بعيداً عن التكهنات ومحاكمة النوايا خصوصاً وان النظامين راحا في نهاية السبعينات، يتباهيان بالتطور الذي تحقق تحت قيادتهما حتى ان قيادة نظام البعث العراقي على سبيل المثال صارت تزعم بان “النموذج البعثي” للتطور الذي حققته يستحق ان يكون مثالاً يقتدى به بالنسبة لبلدان العالم الثالث الاخرى، بل ادعت بان العراق مدين لمشروعها بكل شيء تقريباً.
ان الاستنتاج النهائي الذي يخرج به سمير أمين من تحليل التجربة الاقتصادية التي قادها نظام البعث يثبت ان الحقيقة مغايرة كلياً لمزاعم الانظمة البعثية. بلا شك لديه ان المشروع البعثي للتطور، لم يكن، منذ بدايته- سوى الطريق الأقصر نحو اقامة نظام “رأسمالية المحيط”، التابع كلياً للمركز الرأسمالي الغربي. اما الدعم السوفيتي الفعلي فلا يصبح موجهاً سوى للمساعدة في تحقيق ذلك لانه لم يكن في حقيقته إلا دعماً للانظمة ذاتها المكلفة بقيادة هذه السيرورة، وبالتالي فقد ساهم مباشرة في ضمان تحققها.
للمزيد انظر الفصل السادس (خرافة المشروع البعثي للتطور) من كتابنا “فاشية التخلف – البعث العربي نموذجا) –

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *