مداخلتنا في ندوة صالون القاهرة الثقافي الدولي
د. حسين الهنداوي
أقيمت في دار الأوبرا المصرية في وقت سابق ندوة لصالون القاهرة الثقافي الدولي تحت عنوان “الإعلام وتوثيق التراث الفني والثقافي” تحت رعاية د. نفين الكيلاني وزيرة الثقافة المصرية آنئذ ومشاركة نخبة من الكتاب والإعلاميين العرب. ادناه مداخلتنا في الندوة:
السلام عليكم.
اود اولا ان اشكر صالون القاهرة الثقافي الدولي على اتاحة هذه الفرصة لي للتحدث امام هذه النخبة الكريمة من الأساتذة الحاضرين. كما أود التأكيد مقدما بان ما اعرضه هنا، هو مجرد هموم وأفكار مبعثرة حول دور الإعلام في حماية وتوثيق التراث الفني والثقافي. اننا بطبيعة الحال، لا نضيف شيئا جديدا حين نقول بان لوسائل الإعلام والمواقع الثقافية والأكاديمية ومواقع التواصل الاجتماعي الآن امكانيات مباشرة وغير مباشرة في التأثير على اهتمامات المُجتمع ورأيه العام وثقافته السائدة اكثر من أي وقت مضى. فهذه بديهية. بيد ان المهم بالمقابل معرفة ما يفترض توظيفه، وتطوير توظيفه، من قدرات هذه الوسائل على المساعدة في توثيق التراث الفني وفي حماية الإرث الثقافي وابراز المضامين واللمسات الإنسانية فيه مع وضع بنظر الاعتبار اصالة تراثنا الفني والثقافي وخصوصيات منجزه وعبقرية معانيها ومعاناة إنجازها كنشاط لأفراد ومجتمعات تمثل تاريخنا العام والخاص، منطلقين من حقيقة موضوعية وهي ان هذه الوسائل والمواقع الإعلامية أصبحت تؤثر على توجهاتنا الحياتية والثقافية بكل مجالاتها ومنها التعامل مع التراث كرمز او كتعبير عن هوية وطنية وانسانية راهنة.
وكنموذج ميداني ملموس على قدرة وسائل الاعلام على التأثير في حياة المجتمع، الاستنتاج الذي خرجت به دراسات ميدانية حديثة جدا والقائل ان مواقع التواصل الاجتماعي تساهم بشكل فعلي في انتشار الثقافة الرياضية بين النساء في العراق المنكوب بنظام متخلف، وانها زادت من رغبتهن في الإقبال على النوادي الرياضية كاسرة حتى بعض التقاليد الاجتماعية البالية. فقد أدت الى ازدياد النوادي الرياضية في معظم المحافظات، وخصوصاً في بغداد، وتشجع على الاهتمام بالنظافة والصحة والعلاج الطبي وتحسين الاغذية والملابس ومتابعة الدورات والندوات التثقيفية وغيرها، ومطالبة وسائل الإعلام الى زيادة البرامج الرياضية وتلك الخاصة باللياقة البدنية. وكل هذا أدى الى تعزيز مكانة وشخصية المرأة العراقية وتأكيد مكانتها كقوة حيوية خلاقة ومسؤولة ومتطلعة الى تقدم المجتمع.
لا يمكن بداهة فصل الاعلام عن الفنون والعلوم والثقافة التي غدت تمتلك تأثيرا كبيرا على الخيارات الثقافية لوسائل الإعلام بفعل ارتباطها العضوي اكبر فاكبر بتكنولوجيا صناعة وسائل الاعلام الحديثة من أقمار ناقلة وتحكم بمجالات البث الفضائي ومكاسب ثورة التوظيف الرقمي وغيرها..، ما يطرح ضرورة التأثير الإيجابي على توجهاتها اكثر فاكثر ما دام تطورها المُتسارع والمُتزايد، والمقترن بظهور وسائل إعلام جديدة ورخيصة ومتنوعة، يمكن ان يسهم في حماية وارشفة وتطوير التراث الفني بكل اشكاله بغض النظر عن تنوّع الثقافات واللغات مشتركة وسبل التواصل والتبادل الثقافي بين البشر، وبما يسهم في نشر وتطوير الأفكار والاهتمامات بالفنون والآداب الموروثة والمعاصرة وكما نعرف ان تعميم انتشار استخدام الإنترنت أدّى إلى تسهيل إمكانيّة امتلاك وأيضا إيصال أيّ نوع من المعلومات الى أيّ مكان مع توفير الوقت، والجهد، والتكلفة في ذلك. وهذا يستدعي ضرورة مواجهة بعض المشاكل المهمة التي تواجه ذلك وفي مقدمتها ان التطوّر السريع لوسائل الإعلام أدّى اليوم الى نقل السلطة الرابعة من الكتابة الى الصورة المُصنَّعة تكنولوجيا والمقترنة بسلطة الذكاء الإلكتروني الصناعي المتسارع النمو لكن المنفلت من مراقبة أي سلطة اخرى. ونعرف ان هذا أدى إلى تراجع الثقافات التقليديّة، والى انحسار مكانة الكتاب والمجلة والجريدة وحتى الايميل ان لم يكن قد بات يهدد وجودها. ومعلوم ان توفُر الكُتب والمعلومات والأفلام بالشكل الالكتروني، أدّى إلى تقليل عدد الأشخاص الذي يرتادون المكتبات ودور السينما ويهدد باندثار ملايين الكتب التراثية والوثائق التاريخية مع مرور الزمن. وهناك امثلة تاريخية على التأثير السلبي لتغير وسيلة التواصل الثقافي التقليدية منها ظاهرة اندثار القسم الاعظم من الكتب المكتوبة باللغة اللاتينية في العالم الغربي نتيجة لانتشار وهيمنة اللغات القومية. وهناك أيضا قيام الاستعمار الفرنسي بتدمير التراث الفني والثقافي الجزائري في اطار سعيه لتغيير الهوية الوطنية التاريخية للشعب الجزائري. وهذا المثل يذكرنا بموت المكتبة التركية لكل فترة الإمبراطورية العثمانية وما قبلها بسبب اقدام الزعيم القومي التركي كمال اتاتورك باعتماد الحروف اللاتينية بدل الحروف العربية في الكتابة رسميا في الإدارة والثقافة لكل البلاد ما اسفر عن فقدان مئات الالاف من الكتب في كل المجالات.
ولا بد هنا من التذكير بدور الاعلام في فضح اعمال الدمار التي الحقها تنظيم داعش الإرهابي بالتراث الثقافي والديني العراقي وخاصة في مدينة الموصل عام 2015 حيث، والى جانب قتل آلاف المواطنين العراقيين وخاصة من الأقليات الدينية، اقدم على تحطيم عشرات التماثيل والاعمال الفنية والقطع الاثرية بالمطارق والفؤوس ومنها الثور الآشوري الذي يعود تاريخه إلى القرن التاسع قبل الميلاد. كما قام نسف بالديناميت عدة مساجد تاريخية واضرحة ومرافق ثقافية وتراثية فضلا عن بيع بعض تلك الآثار هم طريق مهربين دوليين بعد سرقتها من المواقع الاثرية التي اقتحموها بالسلاح في منطقة تحوي 1800 من أصل 12 ألف موقع أثري في البلاد. وقام مسلحو داعش أيضا باقتحام مكتبة الموصل وحطموا الأقفال واستولوا على 2500 كتاب أحرقوا معظمها.
وقد اقترن كل ذلك بحملة ترغيب واجتذاب اعلامية مكثفة عبر وسائط الاتصال الاجتماعي الحديثة المختلفة لا سيما المرئية وبلغات عدة، تتوجه الى المشاعر الانفعالية والنزوات الاباحية مباشرة، اذ لم تتردد في استخدام اثارة الغرائز الجنسية وسيلة لها (يوم بيع وشراء الاسيرات، “جهاد النكاح”..)، مقرونة بهستيريا التلذذ بقطع الرؤوس وتحبيب مشاهد سفك الدم وطرق القتل الاكثر همجية المدعومة بتفسيرات شوهاء وتأويلات اعتباطية للنصوص الدينية وبعضها مفبرك (“آية السيف” و؛حديث الذبح”..) وبالاستناد غالبا الى فتاوى قرقوشية لوعاظ صبيان متطرفين متمرسين في صناعة التحريض على القتل (العريفي، العرعور..) وفي ابتكار انجع الوسائل لتعبئة الشبان لا سيما المهمشين وكذلك المتورمين اجتماعيا او ثقافيا او طائفيا وحثهم على الالتحاق بـ (داعش) لنصرة عصاباتها او القتال معها او العمل في الاراضي التي احتلتها هنا او هناك.
واذا عدنا للتحدث قليلا الآن عن حالة التراث الفني، وهو تراث عظيم، نجد انه تأثر كثيرا بالحروب والمشاكل الداخلية والانقلابات العسكرية في اكثر من حقبة تاريخية. فقد تعرضت بابل ونينوى وبغداد وسواها من الحواضر التاريخية والثقافية الكبرى الى التخريب مرارا في العصور القديمة والوسيطة بل عانت من التدمير الكامل أحيانا بسبب الحملات الحربية وعبث الغزاة الأجانب وسرقة وتهريب الآثار واللوحات الفنية. لكنها كانت دائما تنهض لتزدهر من جديد في أول فرصة سانحة. أما بعد استقلال العراق كدولة حديثة في مطلع القرن العشرين فقد انطلقت الفنون والآداب بشكل مدهش ورائع حيث تفوق فنانو العراق المعاصرون في كل من الفنون الحديثة والتقليدية، وظهر العديد من الرسامين والخطاطين والنحاتين والمعماريين الرواد الذين ساهموا في ازدهار الفنون الجميلة والتراثية الشعبية ونالوا مكانة عربية وعالمية مرموقة أحيانا لكن الحرب العراقية الإيرانية والحصار الدولي وخاصة القصف الأمريكي الشديد والرهيب والشامل للبنى التحتية العراقية وحتى المدارس والجامعات والجسور والسكك الحديدية في جريمة “عاصفة الصحراء” الهمجية وغير المبررة رغم ادانتنا لحريمة صدام حسين بغزو الكويت.
لكن الفن العراقي كان وظل غير موثق إلى حد بعيد حتى الآن. ولذا نجد غالبا ان النقاد ومؤرخي الفن الأجانب وحتى العرب لا يمتلكون حتى فكرة بسيطة جدًا أحيانا عن اعمال عمالقة الفن التشكيلي والمعماري العراقي الحديث او الفن المسرحي او الفنون الأخرى ناهيك عن رواد الشعر العربي الحديث. وهذا التقصير هو مسؤولية الدولة العراقية ومؤسساتها المعنية بالطبع. فالحكومات المتتالية اهملت ذلك بشكل تام الا بما ينفعها وهو مشوه أصلا. ويعود تفاقم المشكلات المرتبطة بتوثيق صورة امينة ووافية للفن العراقي خلال العقود الستة او السبعة الماضية مثلا الى حقيقة أن العديد من ابرز الفنانين العراقيين تعرضوا للنفي والاضطهاد وحتى الاعتقال والتعذيب والقتل أحيانا ما تسبب بقطعهم او تغييبهم فسرا عن تراثهم الفني الخاص وهو تراث غني واصيل وعبقري أحيانا وكذلك عن منجزات زملائهم من جهة والى تعرض الكثير من التراث الفني العراقي للنهب والتدمير خلال فترات الانقلابات والحروب والاضطرابات السياسية والحصار والاستعمار والغزو الأجنبي. والحال ان للفَن العراقي تراث عريق يمتد في الزمن إلى نحو خمسة الاف سنة قبل الميلاد. اذ يمتلك العراق أقدم التقاليد المكتوبة والتصويرية واعرق النصب والاعمال الفنية والرسوم الهندسية في العالم. بلا ريب ان العطاء الفني العراقي الرفيع المستوى في الرسم والنحت والموسيقى والخط تواصلت حتى يومنا هذا. الا انها ولحد الآن تعاني بشكل كبير ومؤلم من غياب التوثيق والتعريف بها خارجيا. وهي حال يعانيها اكثر من بلد عربي. الا ان ما لدى العراق من تراث لا نظير له في العالم باعتراف عالمي واسع ومن هنا ضرورة تظافر الجهود لحمايتها وهي مهمة يقع قسطها الاعظم \على عاتق المؤسسات الإعلامية والإعلاميين العراقيين قبل أي جهة اخرى.
وأود هنا ان احيي مبادرة اطلقها قبل ايام فنانون معماريون من دول عربية عدة (لبنان، سوريا، العراق، فلسطين والاردن)، وتمثلت باعلان وثيقة معمارية مشتركة باسم “إعلان اللقاء العمراني”، جاء فيه انهم يتشاركون بالفكرة والرؤية والموقف الاجتماعي. والقناعة بإمكانية الخروج من الكبوة القائمة، فكريا وثقافيا. معتقدين بأهمية العمل معا لتحسين الوضع، والسعي من أجل بناء جيل مدني يمتلك وعياً يتفاعل مع القيم الإنسانية. ويبرر اللقاء العمراني وجوده بالحاجة الى “أنسنة العمران، وذلك عبر المبادرة الجادة للحوار حول بنية مجتمعاتنا وعمراننا. كما يدعو الى إيقاف التدهور الحاصل في فضاءات الحياة الريفية والحضرية، وانتاج المعرفة العمرانية، بصفتها العلاقة بين العمارة والواقع وتشكل حاجة ببعدها الاجتماعي مع لزوم تركيز الجهد في بناء معرفة محلية، تعكس واقع المعاصَرة والمواكبة الإنسانية الشاملة. وإنتاج موقف عقلاني من التراث بحيث يصبح التراث حاضرا في مستقبل حواضرنا، ليس فقط بصفته رمزية الأمكنة وهوية مجتمعاتها، وإنما استثمارا فعالا في خصوصيات حواضرنا وتميزها.
ويختم الاعلان بدعوة الفنانين العرب الى: انتاج معرفة واقعية للمتطلبات الاجتماعية وظروفها البيئية، وإنتاج موقف ثقافي حداثي كما يشدد على الدَور المسؤول للفنان، والبُعد الاجتماعي الحاسم للعمارة والفنون والثقافة.. وعلى تطوير التعليم الجديد من اجل خلق ثقافة تجسد المفاهيم المشتركة للحياة واستنباط حلول لمشاكل التطور والتحولات، بما في ذلك المشكلة الرئيسية، وهي تأمين الحقوق العامة والفردية لعمارة جيدة وإنسانية. وفي هذا السياق يرى اللقاء العمراني أنه من الشروط الأساسية للبدء بمنهجية إصلاحية، هي عبر انتاج الأفكار والمنهجيات الملائمة للخصوصيات الثقافية والاجتماعية لبلداننا بما يحقق حاجات المكان ويربطه بالسياقات الدولية بصيغته الفعالة والمضيفة للإرث الإنساني الحضاري، وكسر التبعية الثقافية وتكريس الشراكة وتطوير مناهج التعليم الجامعي بما يحقق حاجات وتطلعات مجتمعاتنا وتحديد الأسس التي تلبي الحاجة الاجتماعية لأولويتها على الاستثمار الريعي للعمران.



