“ليسَ شامخاً.. مثلَ “بيره مكرون”،
لكنه باسقٌ بما يكفي
لإلتقاط نجمةٍ يانعَة
او رَتقِ جرح في زرقة السماءٍ..”
هكذا كتب الشاعر العراقي عادل سعيد في رثاء الشهيد دِلشاد مَريواني الشاعر والفنان المتعدد المواهب واللغات لكن المتسامي “كسحابة شِعر” في وجه همجية جلاديه الذين لم يكن يهمهم سوى قطع الرقاب التي اينعت، ورقاب الشعراء والفنانين الاحرار خاصة.
ودلشاد مريواني، شاعر وقاص ومترجم ومسرحي ومناضل سياسي يساري، حلت مؤخرا الذكرى السابعة والثلاثون لاستشهاده في 13 آذار 1989 بجريمة اعدام جبانة نفذت بسجن السليمانية، بالتزامن مع عيد ميلاده، من قبل نظام الطاغية الدموي صدام حسين، بتهمة كتابة قصائد ومقالات مناهضة للفاشية الحاكمة وتشجيع طلابه على التمرد والمعارضة، ولم يكن قد تجاوز الثانية والاربعين من العمر بعد.
فبعد سنتين من استشهاده، كشفت تقارير حكومية تم العثور عليها في وثائق مديرية أمن السليمانية الذي سقط في أيدي المواطنين في اعقاب انتفاضتهم الظافرة اثر حرب الكويت في عام 1991، من بينها وثيقة بأربع صفحات تضم احكاما بحق أربعة وثمانين معتقلا من ضمنهم دلشاد مريواني تذكر ان اعدامه كان بتهمة تعليم طلبته الحروف اللاتينية والكتابة الى صحف معارضة للنظام البعثي.
بيد ان هذه الجريمة تزامنت مع فترة سوداء في تاريخ العراق حيث صعد النظام البعثي من جرائمه ضد المواطنين العراقيين بوجه عام وضد المثقفين خاصة لا سيما في كردستان حيث بلغ البطش بالمثقف الكردي ذروته بموازاة جرائم الانفال وقصف حلبجة بالسلاح الكيمياوي في اطار حرب ابادة بشعة شملت المبدعين والمثقفين الكرد لا سيما الاحرار الذين دفعوا ثمن ذلك غاليا بما لحقتهم من قمع نفسي وجسدي حيث تعرض كثير منهم الى الاعتقال والنفي والتعذيب والتصفية الجسدية كما حصل للشاعر دلشاد مريواني والفنان والشاعر برزان عثمان والفنان المطرب قادر كابان وآخرين عديدين، فيما تعرضت عوائلهم الى اقسى انواع الاضطهاد والحرمان والتدمير.
وكان الشاعر الشهيد قد ولد في 28 آذار 1947 بمدينة السليمانية في أسرة متنورة، ودرس الإبتدائية والثانوية فيها، قبل ان يتخرج من قسم اللغة الكردية في كلية الأداب بجامعة بغداد عام 1972، أمضى اثرها سنوات طويلة في التدريس والترجمة والنشاط الادبي والفني المجدد والمتطلع الى الحرية واعلاء الكتابة بجرأة وثقة. فقد اصدر باللغة الكردية عدة مجموعات قصصية اهمها “عشاق الثورة” و”دير ياسين” و”أراك بإصبعي” فضلا عن مجموعات شعرية لافتة الموهبة هي “دموع وبسمات” و”كونوا شعاعاً” و”سمفونية البنفسج”، فيما قام بترجمة الكثير من النصوص الشعرية والمسرحية من العربية التي اتقنها بمهارة عالية، إلى لغته الكردية من بينها عدة مسرحيات للشاعر التركي ناظم حكمت وقصائد “براءة” و”وتريات ليلية” للشاعر مظفر النواب.
ويؤكد أدباء كرد عرفوا الشاعر الشهيد انه تميز بممارسة عدة مجالات ابداعية في آن واحد حيث، والى جانب شغفه الكبير بالتجديد الادبي والفني وركوب مغامرة كتابة القصيدة المختزلة التي عرفت بالشعر الألكتروني، برز ميرواني كمترجم بارع من العربية الى الكردية بفضل امتلاكه لإمكانيات لغوية وادبية مقترنة بمهارة فذة وحساسية عالية تدفع القارئ الى الاعتقاد بأن النص غير مترجم كما لو ان الكردية هي لغته الاصلية وهذه السلاسة قادت المطرب المعروف حمه جزا الى غناء بعض نصوص مظفر النواب بصوته المتميز. وتبرز مواهب الترجمة لدى مريواني بشكل اكبر في النصوص المسرحية التي ترجمها الى الكردية بسلاسة عالية برزت جليا بشكل خاص في ترجماته لعدد من مسرحيات الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت التي قدم بعضها على مسارح مدينة السليمانية.
وكان الشاعر الشهيد مولعا ايضا بالمحافظة على كل ما ينتمي الى الفولكلور الكردي من كتابات وفنون وآثار حيث تجشم عناء البحث عن نصوصه المجهولة من قصص وحكايات ونوادر وفولوكلور في المؤلفات القديمة او التراثية وفي المواقع والابنية التراثية بما فيها الواقعة في القرى والمدن الكردية النائية ومنها التحري عن كل مثير في قلعة أربيل الأثرية والعمل على تجسيمها في مجموعة كبيرة من الصور فقدت مع الكثير من كتبه وكتاباته حيث صادرتها الاجهزة القمعية البعثية التي منعت اعادتها كما رفضت تسليم جثمان الشهيد لاسرته المنكوبة.
كما جرب دلشاد مريواني التمثيل المسرحي راسما في ذاكرة متابعي المسرح الكردي المعاصر ذكريات ومشاهد لا تنسى لا سيما دوره في مسرحية (لانه وازان) الكوميدية التي لعب فيها دور البطل (قطب الدين)، ساعيا في ذات الوقت بتأسيس سينما كردية حديثة. واشتهر الشهيد ايضا ببذل جهد فردي في الدفاع عن حقوق المرأة عبر تقديمها كإنسان متكامل ومساو للرجل من كل الجوانب ساعيا الى كسر الاعراف الاجتماعية البالية التي تسلبها حقوقها وحريتها بكل قسوة.
المثير في سيرة هذا الشاعر القصيرة بسنين عمره والطويلة بإبداعاته المتنوعة، كما لاحظ معاصروه من ادباء السليمانية، هو تنبؤ الشاعر بإعدامه من قبل السلطة وأبيات قصائده تحكي عن حبال المشنقة بكل وضوح بعيدا عن الرمزية التي أشتهر الشعر الكردي بها في تلك السنين وله قصيدة بهذا المنحى أهداها الى أبنته الكبرى روزا، يتحدث فيها عن اعدامه ومعاناته فيما تبحث ابنته روزا عن قبر أبيها دون أن تجده .
وكانت قرينة الشاعر الشهيد، وهي أستاذة جامعية تعرضت، وكذلك عائلتها، الى اضطهاد مرير وتنكيل وتدمير اضافة الى نكبتها القاسية بجريمة اعدام زوجها، كشفت عن ان دلشاد واجه لسنوات مضايقات كثيرة من قبل رجال الأمن بسبب آرائه التي كان يطرحها في قصصه وقصائده، اذ اعتقل مرارا لفترات قصيرة ثم فصل من وظيفته في الكلية التي كان يلقي فيها محاضراته كما فصلت هي الأخرى من سلك التعليم لرفضها الانضمام الى حزب البعث، قبل ان تقدم الاجهزة القمعية البعثية على اختطاف زوجها في 12 شباط 1989 ولم تعرف أسرته عن مصيره شيئاً الا بعد فترة من استشهاده في 13/3/1989. ففي 16/3/1989، داهم رجال الأمن المنزل وفتشوه وكذلك المكتبة وأخذوا بعض الكتب ولم تكن مناهضة للنظام وبعد ذلك بايام ستعرف عائلته ان دلشاد تم اعدامه بالفعل فيما نصت شهادة وفاته على ان سبب الوفاة كان تهشم الجمجمة بسبب أطلاق ناري في الرأس، وهذه كانت الطريقة الشائعة لدى اجهزة القمع البعثية في تصفية المعارضين السياسيين.




