حسين الهنداوي: مسارٌ بين الفلسفة والمنفى وصناعة الرأي

كتب :محمد علي محيي الدين

وُلد حسين الهنداوي عام 1947 في مدينة الهندية التابعة لمحافظة بابل في بيئةٍ كانت أقرب إلى هدوء الأنهار منها إلى ضجيج المدن الكبرى، لكنه منذ بداياته الأولى بدا وكأنّ أسئلته أكبر من المكان الذي احتضن طفولته. تلقّى تعليمه الابتدائي في طويريج، ثم أكمل دراسته في بغداد، حيث بدأت ملامح اهتمامه بالفكر تتشكل مبكرًا، قبل أن يقوده هذا الميل إلى الفلسفة بوصفها طريقًا لا مجرد اختصاص.

نال شهادة البكالوريوس في الفلسفة من كلية الآداب في جامعة بغداد، ثم شدّ الرحال إلى فرنسا ليواصل دراسته العليا، فحصل على دكتوراه في الفلسفة بمرتبة الشرف من جامعة بواتييه تحت إشراف الفيلسوف جاك دونت، وكان بحثه في الفلسفة الهيغلية، وهو الحقل الذي ظلّ ملازمًا لاهتماماته الأكاديمية لاحقًا، بوصفه مدخلاً لفهم التاريخ والدولة والإنسان.

لم تكن مسيرته الأكاديمية معزولة عن أسئلة الثقافة والسياسة، بل كانت متداخلة معهما بوضوح. فقد كتب الهنداوي وأنتج أعمالًا فكرية تتقاطع فيها الفلسفة مع التاريخ الإسلامي والفكر السياسي، من أبرزها كتابه «هيغل والإسلام» الصادر بالفرنسية عن جامعة بواتييه عام 1987، وهو عمل يُعد من أوائل الدراسات الأكاديمية التي قاربت التصورات الهيغلية عن الإسلام، وربطت بين بعض جذور الفكر الإسلامي وبعض البنى المفهومية في الفلسفة الأوروبية الحديثة.

وفي كتابه «التاريخ والدولة بين ابن خلدون وهيغل» حاول أن يقيم حوارًا غير مألوف بين عقلين يفصل بينهما الزمن والجغرافيا، لكنه يجمع بينهما هاجس الدولة ومعنى التاريخ. كما كتب «على ضفاف الفلسفة» الذي حمل تأملات شخصية في الفكر والمعرفة، واشتغل في الوقت نفسه على الترجمة، فنقل إلى العربية أعمالًا فلسفية مهمة، من بينها كتاب جاك دونت «هيغل والهيغلية»، وكذلك نصوص تتعلق بالأنثروبولوجيا الدينية والفكر الصوفي، مثل دراسته عن الفرقة العلي الإلهية.

ولم يتوقف إنتاجه عند الفلسفة الصرفة، إذ نشر مجموعة شعرية بعنوان «أخاديد»، كما قدّم كتابًا لافتًا بعنوان «استبداد شرقي أم استبداد في الشرق؟» تناول فيه إشكالية السلطة السياسية في السياقات العربية والإسلامية، من زاوية تحليلية نقدية.

امتدت مساهماته إلى الصحافة الثقافية والفكرية، فكتب عشرات المقالات والمحاضرات في دوريات عربية وأجنبية، من بينها «الاغتراب الأدبي»، و«نزوى»، و«الحياة»، و«الصباح»، و«الصباح الجديد»، و«الحكمة». كما أسهم في تأسيس مجلة «أصوات» في فرنسا عام 1976 مع مجموعة من الأدباء والفنانين العراقيين، وكانت تلك التجربة من المحاولات المبكرة لخلق منبر ثقافي عراقي في المنفى. وقد تُرجمت مقالاته إلى الإنجليزية ونشرت في صحف ومجلات دولية، من بينها «ناشيونال إنترست» و«ناشيونال ريفيو» و«واشنطن تايمز»، وغيرها من المنابر التي تعكس حضوره في فضاء فكري يتجاوز الحدود المحلية.

على الصعيد المؤسسي، شغل الهنداوي مواقع متعددة ذات طابع فكري وإداري، إذ تولى رئاسة مؤسسة «عراق للإبداع» منذ عام 2005، وكان من المؤسسين للجمعية الفلسفية العراقية في الخارج. كما عمل عضوًا في نقابة الصحفيين البريطانية، وشارك في منظمات دولية مثل منظمة العفو الدولية، حيث كان مبعوثًا خاصًا لها إلى لبنان عام 1991 واليمن عام 1992، ثم عضوًا في وفدها إلى اليمن خلال الحرب الأهلية منتصف التسعينيات.

وفي المجال الإعلامي الدولي، تولى رئاسة تحرير القسم العربي في وكالة «يونايتد برس إنترناشيونال» حتى نهاية عام 2003، كما كان من مؤسسي القسم العربي في جامعة بواتييه، ومحاضرًا أساسيًا فيه بين عامي 1982 و1985. كما شارك في بعثة الأمم المتحدة إلى هايتي بين عامي 1993 و1995، ما يعكس انتقاله بين الفكر النظري والعمل الميداني في سياقات دولية مختلفة.

وفي مرحلة لاحقة، برز اسمه في الشأن العام العراقي بعد 2003، إذ تولى رئاسة المفوضية العليا المستقلة للانتخابات منذ تأسيسها بإشراف الأمم المتحدة، في لحظة سياسية حساسة كان فيها بناء المؤسسات جزءًا من إعادة تشكيل الدولة.

حصل على ترشيحات لجوائز صحفية مرموقة في بريطانيا عامي 2001 و2002، تقديرًا لكتاباته ومقالاته التي تناولت قضايا الفكر والسياسة من منظور نقدي مستقل.

بين الفلسفة والسياسة، وبين المنفى والعمل المؤسسي، ظلّ حسين الهنداوي نموذجًا لمثقفٍ تحركه الأسئلة أكثر مما تحركه الإجابات، وتتشكل تجربته من تداخل المعرفة بالفعل العام، ومن محاولة دائمة لفهم العالم لا من خارجه فقط، بل من قلب تحوّلاته أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *